عبد الملك الجويني
356
نهاية المطلب في دراية المذهب
شيئاً مجهولاً وسبيله في نفسه أن يأخذ بالأقلِّ المستيقن . وقد يخطر للناظر في أثناء هذه الفصول تقدير عَوْد بعض هذه اللطائف ، بعد ظننا زوالها ، وسأجمع ذلك كلَّه عند ذكر التفصيل في عَوْد السن من المثغور وغير المثغور . فصل قال : " وفي الشفتين الدية . . . إلى آخره " ( 1 ) . 10609 - لا خلاف في وجوب الدية في الشفتين ، وهما من المثاني عندنا ، وفيهما الدية ، وفي إحداهما نصف الدية ، ولا نفضّل العليا على السفلى ، وقال مالك ( 2 ) :
--> ( 1 ) ر . المختصر : 5 / 131 . ( 2 ) بالبحث في مصادر الفقه المالكي لم نجد هذا الذي نسبه الإمام إلى مالك رضي الله عنه لا في القوانين الفقهية لابن جزي ، ولا في حاشية الدسوقي ، ولا في المعونة للقاضي عبد الوهاب ، ولا في الكافي لابن عبد البر ، ولا في شرح الحطاب ، ولا في جواهر الإكليل ، ولا في الأشراف للقاضي عبد الوهاب ، ولا الشرح الصغير ولا الرهوني ولا حاشية العدوي ولا منح الجليل بل وجدنا القاضي يقول في الإشراف : روي عن زيد بن ثابت لا أن في العليا ثلث الدية ، وفي السفلى ثلثيها " ( عكس ما حكاه الإمام عن مالك ) ولم يقل به مذهباً للمالكية بل نص على أن في كل واحدة من الشفتين نصف الدية وأكّد ذلك بتشبيههما باليدين . أما في المدونة فقد وجدنا القطع والجزم بأن هذا ليس مذهباً لمالك ونص عبارتها : " قلت : أرأيت الشفتين أهما سواء عند مالك ؟ قال : نعم هما سواء في كل واحدة نصف الدية . وليس يأخذ بحديث سعيد بن المسيب " ا . ه ومما يجب تسجيله من ملاحظات أننا وجدنا مالكاً في الموطأ يروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول : " في الشفتين الدية كاملة ، فإذا قطعت السفلى ففيها ثلثا الدية " ( وهو عكس ما حكاه إمام الحرمين عن مالك ) . ثم وجدنا في مصنف عبد الرزاق يروي عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول : " في الشفة السفلى ثلث الدية وفي العليا ثلثا الدية " . قلت : الله أعلم أيهما نقل الصواب ! ثم لسنا نقطع بمصدر هذا الوهم الذي قاله الأمام ، ولا نعرف سرّه ، فلو لم نجد هذا القطع بخلافه في المدونة ، لكان هناك احتمال بأن يقال : إنه كان قولاً عند متقدمي المالكية ، ثم استقرّ المذهب على غيره . ولكن المدونة قطعت قول كل خطيب . ( ر . الموطأ : 2 / 856 ، المدونة : 4 / 437 ، مصنف عبد الرزاق : 17478 ، =